محمد بن جرير الطبري

46

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

هذا الكتاب اليه فقام رجلان منهم ، فقالا له : اضمن لنا انك تجرى على عيالاتنا ، فضمن لهما الافشين ذلك ، وأخذا الكتاب وتوجها فلم يزالا يدوران في الغيضة حتى اصاباه ، وكتب معهما ابن بابك بكتاب يعلمه الخبر ، ويسأله ان يصير إلى الأمان ، فهو اسلم له وخير فدفعا اليه كتاب ابنه ، فقراه ، وقال : اى شيء كنتم تصنعون ؟ قالا : أسر عيالاتنا في تلك الليلة وصبياننا ، ولم نعرف موضعك فنأتيك ، وكنا في موضع تخوفنا ان يأخذونا ، فطلبنا الأمان فقال للذي كان الكتاب معه : هذا لا اعرفه ، ولكن أنت يا بن الفاعلة ، كيف اجترأت على هذا ان تجيئني من عند ذاك ابن الفاعلة ! فأخذه وضرب عنقه ، وشد الكتاب على صدره مختوما لم يفضه ، ثم قال للآخر : اذهب وقل لذاك ابن الفاعلة - يعنى ابنه - حيث يكتب إلى ، وكتب اليه : لو أنك لحقت بي واتبعت دعوتك حتى يجيئك الأمر يوما كنت ابني ، وقد صح عندي الساعة فساد أمك الفاعلة يا بن الفاعلة ، عسى ان أعيش بعد اليوم ! قد كنت باسم هذه الرياسة وحيثما كنت أو ذكرت كنت ملكا ، ولكنك من جنس لا خير فيه ، وانا اشهد انك لست يا بنى ، تعيش يوما واحدا وأنت رئيس خير ، أو تعيش أربعين سنه وأنت عبد ذليل ! ورحل من موضعه ، ووجه مع الرجل ثلاثة نفر حتى اصعدوه من موضع من المواضع ، ثم لحقوا ببابك ، فلم يزل في تلك الغيضة حتى فنى زاده ، وخرج مما يلي طريقا كان عليه بعض العساكر ، وكان موضع الطريق جبلا ليس فيه ماء ، فلم يقدر العسكر ان يقيم على الطريق لبعده عن الماء ، فتنحى العسكر عن الطريق إلى قرب الماء ، وصيروا كوهبانيين وفارسين على طرف الطريق يحرسونه ، والعسكر بينه وبين الطريق نحو من ميل ونصف ، كان ينوب على الطريق كل يوم فارسان وكوهبانيان ، فبينا هم ذات يوم نصف النهار ، إذ خرج بابك وأصحابه ، فلم يروا أحدا ، ولم يروا الفارسين والكوهبانيين ، وظنوا ان ليس هناك عسكر ، فخرج هو واخواه : عبد الله ومعاوية ، وأمه وامراه له